محمد بن جرير الطبري

37

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

القلب على ما فيه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، قال : ثنا حماد بن زيد ، قال : ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه عروة قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها فقال شاب من أهل اليمن : بل عليها أقفالها ، حتى يكون الله عز وجل يفتحها أو يفرجها ، فما زال الشاب في نفس عمر رضي الله عنه حتى ولي فاستعان به وقوله : إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى يقول الله عز وجل إن الذين رجعوا القهقري على أعقابهم كفارا بالله من بعد ما تبين لهم الحق وقصد السبيل ، فعرفوا واضح الحجة ، ثم آثروا الضلال على الهدى عنادا لأمر الله تعالى ذكره من بعد العلم . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى هم أعداء الله أهل الكتاب ، يعرفون بعث محمد نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عندهم ، ثم يكفرون به . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى إنهم يجدونه مكتوبا عندهم . وقال آخرون : عنى بذلك أهل النفاق . ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ إلى قوله فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ هم أهل النفاق . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثنى عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ إلى إِسْرارَهُمْ هم أهل النفاق . وهذه الصفة بصفة أهل النفاق عندنا ، أشبه منها بصفة أهل الكتاب ، وذلك أن الله عز وجل أخبر أن ردتهم كانت بقيلهم لِلَّذِينَ كَرِهُوا ، ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ولو كانت من صفة أهل الكتاب ، لكان في وصفهم بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم الكفاية من الخبر عنهم بأنهم إنما ارتدوا من أجل قيلهم ما قالوا . وقوله : الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ يقول تعالى ذكره : الشيطان زين لهم ارتدادهم على أدبارهم ، من بعد ما تبين لهم الهدى . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ يقول : زين لهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة سَوَّلَ لَهُمْ يقول : زين لهم . وقوله : وَأَمْلى لَهُمْ يقول : ومد الله لهم في آجالهم ملاوة من الدهر ، ومعنى الكلام : الشيطان سول لهم ، والله أملى لهم . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والكوفة وَأَمْلى لَهُمْ بفتح الألف منها بمعنى : وأملى الله لهم . وقرأ ذلك بعض أهل المدينة والبصرة " وأملي لهم " على وجه ما لم يسم فاعله . وقرأ مجاهد فيما ذكر عنه " وأملي " بضم الألف وإرسال الياء على وجه الخير من الله جل ثناؤه عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم . وأولى هذه القراءات بالصواب ، التي عليها عامة قراء الحجاز والكوفة من فتح الألف في ذلك ، لأنها القراءة المستفيضة في قراءة الأمصار ، وإن كان يجمعها مذهب تتقارب معانيها فيه . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ . . . وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ يقول تعالى ذكره : أملى الله لهؤلاء المنافقين وتركهم ، والشيطان سول لهم ، فلم يوفقهم للهدى من أجل أنهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ من الأمر بقتال أهل الشرك به من المنافقين : سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ الذي هو خلاف لأمر الله تبارك وتعالى ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ فهؤلاء المنافقون . وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ يقول تعالى ذكره : والله يعلم أسرار هذين الحزبين المتظاهرين من أهل النفاق ، على خلاف أمر الله وأمر رسوله ، إذ يتسارون فيما بينهم بالكفر بالله ومعصية الرسول ، ولا يخفى عليه ذلك ولا غيره من الأمور كلها . واختلفت القراء